الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
97
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
اسم جمع مفرده ماعز ، وهو نوع من الأنعام شبيه بالضأن من ذوات الظلف له شعر مستطيل ، ويقال : معز - بسكون العين - ومعز - بفتح العين - وبالأول قرأ نافع . وعاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو جعفر ، وخلف . وقرأ بالثّاني الباقون . وبعد أن تمّ ذكر المنّة والتّمهيد للحجّة ، غير أسلوب الكلام ، فابتدئ بخطاب الرّسول عليه الصّلاة والسلام بأن يجادل المشركين ويظهر افتراءهم على اللّه فيما زعموه من تحريم ما ابتدعوا تحريمه من أنواع وأصناف الأنعام على من عيّنوه من النّاس بقوله : قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ الآيات . فهذا الكلام ردّ على المشركين ، لإبطال ما شرعوه بقرينة قوله : نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ - وقوله : أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا الآية . فقوله : قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ إلى آخرها في الموضعين ، اعتراض بعد قوله : وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ وقوله : وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ . وضمير : حَرَّمَ عائد إلى اسم اللّه في قوله : كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ [ الأنعام : 142 ] ، أو في قوله : وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ [ الأنعام : 140 ] الآية . وفي تكرير الاستفهام مرّتين تعريض بالتّخطئة ، فالتّوبيخ والتّقريع الّذي يعقبه التّصريح به في قوله : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وقوله : أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً الآية . فلا تردّد في أنّ المقصود من قوله : قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ في الموضعين إبطال تحريم ما حرّم المشركون أكله ، ونفي نسبة ذلك التّحريم إلى اللّه تعالى . وإنّما النظر في طريق استفادة هذا المقصود من نظم الكلام . وهو من المعضلات . فقال الفخر : « أطبق المفسّرون على أنّ تفسير هذه الآية أنّ المشركين كانوا يحرّمون بعض الأنعام فاحتجّ اللّه على إبطال قولهم بأن ذكر الضأن والمعز والإبل والبقر . وذكر من كلّ واحد من هذه الأربعة زوجين ذكرا وأنثى ، ثمّ قال : إن كان حرّم منها الذّكر وجب أن يكون كلّ ذكورها حراما ، وإن كان حرم الأنثى وجب أن يكون كلّ إناثها حراما ، وأنّه إن كان حرّم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين وجب تحريم الأولاد كلّها » . حاصل المعنى نفي أن يكون اللّه حرّم شيئا ممّا زعموا تحريمه إياه بطريق السّبر والتّقسيم وهو من طريق الجدل . قلت : هذا ما عزاه الطّبري إلى قتادة ، ومجاهد ، والسدّي ، وهذا لا يستقيم لأنّ السبر غير تامّ إذ لا ينحصر سبب التّحريم في النّوعيّة بل الأكثر أنّ سببه بعض أوصاف الممنوع وأحواله .